الولادة المعجزة

أحست السيدة فاطمة بنت أسد بألم الولادة وهي في الشهر التاسع من الحمل ، وأقبلت إلى المسجد الحرام وطافت حول الكعبة ، ثم وقفت للدعاء والتضرع إلى خالقها ليسهل عليها أمر الولادة ، قائلة : يارب إني مؤمنة بك وبكل كتاب أنزلته ، وبكل رسول أرسلته ، ومصدقة بكلامك وكلام جدي إبراهيم الخليل ، وقد بنى بيتك العتيق ، وأسألك بحق أنبيائك المرسلين ، وملائكتك المقربين وبحق هذا الجنين الذي في أحشائي ، الا يسرت علي ولادتي .

فانشق جدار الكعبة من الجانب المسمى بـ ( المستجار ) ودخلت السيدة فاطمة بنت اسد الى جوف الكعبة ، وعادت الفتحة ، وولدت ابنها عليا في داخل الكعبة ، ومن المعلوم أن للكعبة بابا يمكن منه الدخول والخروج ولكن الباب لم يفتح بل انشق الجدار ليكون ابلغ واوضح وادل على خرق العادة وان الامر لم يكن صدفة ، والشيء الغريب ان الأثر لايزال موجودا على جدار الكعبة حتى يومنا هذا بالرغم من تجدد بناء الكعبة المشرفة .

وصل الخبر الى ابي طالب ، فأقبل هو وجماعة وحاولوا فتح باب الكعبة حتى تصل النساء الى فاطمة لمساعدتها ، لكنهم لم يستطيعوا فتح الباب ، فعلموا أن هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى ، بعدها بقيت السيدة فاطمة بنت اسد ثلاثة ايام ، وانتشر الخبر في مكة ، وتجمع الناس ليشاهدوا المكان ، وفي اليوم الثالث خرجت من الموضع الذي دخلت منه ، وعلى يدها صبي كأنه فلقة قمر .

فقالت : معاشر الناس : ان الله عز وجل اختارني من خلقه وفضلني على المختارات ممن مضين قبلي ، لأني ولدت في بيته العتيق ، وبقيت فيه ثلاثة أيام آكل من ثمار الجنة وأرزاقها .

استقبل سيدنا ابو طالب السيدة فاطمة بنت اسد مهنئا ، واقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذه وقبله وحمد الله ، لكونه كان يعلم انه سيكون أحسن وزير وخير أخ وأول مؤمن به ، وكانت ولادته يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب بعد مضي ثلاثين سنة من عام الفيل .

 

   

 

 

المربي العظيم

تربى إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام على يد اشرف مخلوق في دنيا الوجود خلال السنوات التي عاشها مع النبي الأعظم صلى الله عليه وااله منذ صغره حتى بلغ من العمر ثلاثا وثلاثين سنة ، فعندما كان في المهد ، قال صلى الله عليه واله وسلم لفاطمة بنت اسد اجعلي مهده بقرب فراشي ، وكان يطهر عليا في وقت غسله ، ويجعل اللبن في فمه عند شربه ، ويحرك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويحمله على صدره ، ويقول هذا أخي ووليي ، وصفيي ، وذخري وكهفي وظهري ، ووصيي ، وزوج كريمتي ، وأميني على وصيتي وخليفتي .

ولما نزل قوله تعالى وانذر عشريتك الأقربين دعا بني عبد المطلب وكلمهم ، فلم يجبه احد منهم ثم اعاد الكلام ثلاث مرات ، فقام علي عليه السلام ، فأخذ النبي صلى الله عليه اله وسلم بيده ثم قال : أن هذا أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا .

فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لإبنك وتطيعه .

علي عليه السلام ليلة المبيت

اجتمع المشركون في دار الندوة وتذاكروا حول قتل النبي صلى الله عليه واله وسلم وتقرر ان يجتمع من كل قبيلة رجل واحد ليهجموا على النبي صلى الله عليه واله وسلم ويقتلوه في بيته باجتماع اربعون رجلا ، فنزل جبرائيل على النبي صلى الله عليه واله وسلم واخبره بمكيدة القوم وامره بالهجرة من مكة الى المدينة ، فأرسل النبي صلى الله عليه وآل وسلم الى علي عليه السلام وقال له : ان الروح هبط علي يخبرني ان قريشا اجتمعت على قتلي وانه اوحي الى عن ربي ان اهجر دار قومي ، وتبيت في مضجعي لتخفي بمبيتك عليه اثري فما أنت قائل وصانع ؟ فقال علي ( عليه السلام ) : أوتسلمن بمبيتي هناك يا نبي الله : قال : نعم ، فتبسم علي عليه السلام ، وأهوى الى الارض ساجدا ، شكرا لما انبأه به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من سلامته ، ولما رفع رأسه قال له : أمضي لما أمرت ، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي ومرني بما شئت ، واضطجع الإمام في فراش النبي صلى الله عليه واله وسلم فهجموا على دار النبي صلى الله عليه واله وسلم ورموه باحجار ثقال صائبة ، فكشف عن رأسه فعرفوه ، وبهذا الموقف الخالد سلم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لينزل قوله تبارك وتعالى ((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله )).

 

   

 

الإمام نائبا عن النبي صلى الله عليه واله وسلم

بقي الإمام علي عليه السلام في مكة لرد الودائع لأنه الأمين وهي اشارة واضحة لفكرة كونه خليفة ، فلما أداها قام على الكعبة فنادى بصوت رفيع : يا أيها الناس هل من صاحب أمانة ؟ هل من صاحب وصية ؟ هل من عدة له قبل رسول الله ، فلم يأت احد يطالب بشيء. فكتب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كتابا لأمير المؤمنين عليه السلام يأمره فيه بالمسير اليه ، وخرج علي عليه السلام بفاطمة عليها السلام وامه فاطمة بنت اسد وفاطمة بنت الزبير ولهذا سمي الركب بالفاطميات قاصدا المدينة للقاء الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم بعد فراق لم يكن مألوفا بينهما . لما وصل الرسول صلى الله عليه واله وسلم الى قباء خارج المدينة بقي ينتظر قدوم علي عليه السلام ، فقال له ابو بكر : انهض بنا الى المدينة فإن القوم قد فرحوا بقدومك ، فقال له رسول اله (صلى الله عليه وآله وسلم ) كلا ، ما أسرعه ، ولن اغادر حتى يقدم ابن عمي واخي في الله عز وجل واحب اهل بيتي الي فقد وقاني بنفسه من المشركين ، فبقي النبي صلى الله عليه واله وسلم خمسة عشر يوما الى ان وافى علي بعياله وقد تفطرت قدماه فاعتنقه النبي وبكى رحمة لما بقدميه من الورم . وأول وسام ناله علي في المدينة بعد الهجرة ، تلك الأخوة التي حظي بها مع النبي صلى الله عليه واله وسلم عندما آخى بين اصحابه ، ليحتفظ بأخوة علي لنفسه .

اقتران النورين

اقبل علي عليه السلام يقصد دار النبي صلى الله عليه واله وسلم ، وهبط جبرائيل ليخبره بمجيء علي ، فما دق الباب ، اجابت ام سلمة ، من بالباب ؟ فقال لها الرسول من قبل ان يجيب علي قومي يا ام سلمة وافتحي له الباب ، ومريه بالدخول ، فهذا رجل يحبه الله ورسوله ويحبهما ، فقامت وفتحت الباب واذا هو علي عليه السلام ، قالت ام سلمة : والله ما دخل حين فتحت الباب حتى علم اني رجعت الى خدري ، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم : وعليك السلام اجلس . فجلس علي عليه السلام ، وجعل ينظر الى الارض كأنه قصد لحاجة وهو يستحي ان يبديها ، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم : اني ارى انك اتيت لحاجة ، فقل ما حاجتك ؟ وابد ما في نفسك فكل حاجة لك مقضية . فقال علي عليه السلام : فداك أبي وأمي ، وانك لتعلم انك أخذتني من عمك أبي طالب ومن فاطمة بنت أسد وأنا صبي ، فغذيتني بغذائك وأدبتني بأدبك ، فكنت أفضل الي من أبي طالب ومن فاطمة بنت اسد في البر والشفقة ، وأنت يا رسول الله ذخري وذخيرتي في الدنيا والآخرة ، يا رسول الله فقد أحببت أن يكون لي بيت

   

 

وأن يكون لي زوجة ، وقد أتيتك خاطبا راغبا ، أخطب إليك ابنتك فاطمة ، فهل أنت مزوجي يا رسول الله ؟ فتهلل وجه رسول الله فرحا وسرورا ، ثم تبسم في وجه علي وقال : فهل معك شيء أزوجك به ؟ فقال علي : فداك أبي وأمي والله ما يخفى عليك من أمري شيء ، أملك سيفي ودرعي و ناضحي ( البعير الذي يحمل عليه الماء ) ومالي شيء غير هذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ) أماسيفك فلا غنى بك عنه ، تجاهد به في سبيل الله وتقاتل به أعداء الله ، و ناضحك تنضح به على نخلك وأهلك وتحمل عليه رحلك في سفرك ولكني قد زوجتك بالدرع ورضيت بها منك ، يا علي أبشرك ؟ فقال نعم فداك أبي وأمي بشرني ، فقال الرسول ( صلى الله عليه واله وسلم ) أبشر فإن الله قد زوجكها في السماء من قبل أن ازوجك في الأرض .

وجهزت الزهراء عليها السلام وزفت الى دار زوجها ، ثم اخذ الرسول صلى الله عليه واله وسلم يد ابنته ووضعها في يد أمير المؤمنين وقال : بارك الله في ابنة رسول الله ، يا علي : نعم الزوجة فاطمة ويا فاطمة نعم الزوج علي ، ثم قال : يا علي هذه فاطمة وديعتي عندك ، ثم قال النبي ( صلى الله عليه واله وسلم ) : اللهم اجمع شملهما ، والف بين قلبيهما ، و اجعلهما وذريتهما من ورثة جنة النعيم ، وارزقهما ذرية طاهرة طيبة مباركة ، واجعل في ذريتهما البركة واجعلهم أئمة يهدون بأمرك الى طاعتك ويأمرون بما يرضيك ، اللهم أنهما أحب خلقك إلي ، فأحبهما واجعل عليهما منك حافظا واني اعيذهما بك وذريتهما من الشيطان الرجيم .

شجاعة أمير المؤمنين عليه السلام

المعروف عن الإمام عليه السلام ما فر من حرب ، ولا خاف من جيش ، ولا بارز أحدا إلا قتله ، أو أسره ، ولا ضرب ضربة فأحتاج الى ثانية ، ومما قاله القائلون عن شجاعته : أنه ما عرف عن بطل في العالم إلا كان مغلوبا حينا وغالبا حينا ، إلا علي فهو الغالب أبدا ودائما . ان هذه الشجاعة على عظمتها تقترن بإيمان أعظم ، وكانت الدعامة الأولى للإسلام ، وإعلاء كلمته ، كانت قوة للضعيف ، وعونا للفقير ، وإنصافا للمظلوم من الظالم ، وخيرا للناس أجمعين .

   

 

امير المؤمنين عليه السلام مع الرسول صلى الله عليه واله وسلم في معاركه

بدأ عهد جديد في تاريخ البشرية عامة وفي تأريخ الرسالة الإسلامية خاصة ، بعد هجرة الرسول صلى الله عليه واله وسلم الى المدينة المنورة ، بدأت معالم الدولة الإسلامية تتوضح ، ولم تقف قريش مكتوفة الأيدي مقابل قوة المسلمين ، بل راحت تخطط للقضاء على الإسلام وأهله ، وحين كان الرسول صلى الله عليه واله وسلم يعالج الامور بحكمة لم تقف قريش موقف الضعيف ، بل ارسلت السرايا لتهديدهم ، فكان أمير المؤمنين عليه السلام الى جنب النبي صلى الله عليه واله وسلم في بناء الدولة ونشر الرسالة فهو الذراع القوي التي يضرب بها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ويظفر ، هذا واضحا جليا من خلال المعارك التي خاضها عليه السلام في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة نشبت معركة بدر العظمى وهي بين طرفين غير متكفائين بالموازين العسكرية : جبهة المسلمين وعددها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، تقاتل عن ايمان وعقيدة ، تدافع عن الحق وتدعوا اليه ، وجبهة قريش وعددها تسعمائة وخمسون رجلا تقاتل عن حمية وعصبية جاهلية . وكان لدعاء الرسول صلى الله عليه واله وسلم وثباته وقيادته الحكيمة للمعركة وبسالة حمزة وقوة علي عليه السلام وابطال المسلمين الاثر الكبير في النصر العظيم .وفي هذه المعركة المهمة كان امير المؤمنين صاحب راية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .

سخائه وزهده عليه السلام

أمير المؤمنين عليه السلام معروفا بجوده وسخائه ، وزهده واعراضه عن الدنيا ومتاعها ، يدعوا اليتامى فيطعمهم العسل ، حتى قال بعض اصحابه : وددت اني كنت يتيما . وأوقف الإمام عليه السلام جميع أملاكه على الفقراء والمساكين ، حيث يسقي النخيل بيده لبعض اليهود بأجر زهيد ، ويتصدق به على المحتاجين . وينقل عن الإمام الباقر عليه السلام ان امير المؤمنين عليه السلام ذهب مع قنبر خادمه الى سوق البزازين ، وطلب من رجل يبيع الملابس ان يبيعه ثوبين ، فقال له يا امير المؤمنين عندي حاجتك ، ولما ايقن الإمام ان الرجل يعرفه تركه ومضى ، وأبى أن يشتري منه خشية ان يتساهل معه في الثمن ، وقف على غلام واشترى منه ثوبين احدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين ، وبعد ان قبض الغلام الثمن جاء ابوه ، وعرف الإمام ، فقال له : يا مولاي ان ابني لا يعرفك ، وهذان درهمان ربحهما منك ، فقال له : ما كنت لأفعل لقد اتفقنا مع ولدك على رضىً .واعطى الإمام الثوب الذي بثلاثة دراهم لقنبر ، وأبقى الذي بدرهمين لنفسه ، فقال قنبر : انت اولى به مني ، انك تصعد المنبر ، وتخطب الناس ، فقال له : وانت شاب ، وانا استحي من ربي ان اتفضل عليك ، سمعت رسول الله يقول : البسوهم مما تلبسون واطعموهم مما تأكلون .

   

 

امير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله وسلم

في سنة احدى عشرة هجرية ، انتقل النبي صلى الله عليه واله وسلم الى الفريق الاعلى ، بعد ان ادى ما عليه ، ونص على امامة امير المؤمنين عليه السلام من خلال المواقف الكثيرة وآخرها في غدير خم .ولكن النص بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد عطل واختير غيره للخلافة ، وكان رافضا لها ، ولكنه باعتباره ابن الإسلام وبانيه وحاميه بقي راعيا لمصلحة الإسلام العليا واعلاء رايته صابرا على ما يصيبه ، واقفا بكل صلابة دين وقوة إيمان أمام محاولات الفتنة واثارات التخريب ، واسدى التوجيه ، ورد على كل سؤال ، وساهم في حل كل معضلة كان يمر بها الحكم والحاكم ، حتى تكرر قول لولا علي لهلك عمر ، وفي سنة 35 هـ بلغ سخط الجماهير على الخليفة الثالث حده وكانت النتيجة ان قتل بسيوف الثوار وفدفن في مقابر اليهود ، ومن الجدير بالذكر ان الإمام علي عليه السلام حاول الى عدم الوصول الى هذه النهاية ولكن دون جدوى ، وكان يرسل الماء الى عثمان عند محاصرته من قبل الثوار . وارسل اولاده الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية للدفاع عنه لتكون النتيجة اتهامه عليه السلام بقتله واقامة الحروب حرب الجمل للمطالبة بدم الخليفة لتحريض من ام المؤمنين عائشة لتخلف آلاف القتلى من المسلمين دون ادنى سبب .

اجتماع الناس على بيعة امير المؤمنين عليه السلام

اجتمع الناس بعد قتل عثمان في مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وتشاوروا في امر الإمامة ، فأتى الناس عليا ليبايعوه ، فقال عليه السلام دعوني والتمسوا غيري ، ولا حاجة لي في امرتكم ، فقالوا : ما نختار غيرك ، وترددوا اليه مرارا ، وقالوا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك ، فخرج الى المسجد ، وعليه قميص وعمامة خز ، ونعلاه في يده متوكئا على قوسه ، فبايعه الناس ، وكان اجتماع الناس على الإمام بصورة مدهشة ، حتى كان الناس ان يقتل بعضهم بعضا ، فبويع له بالخلافة يوم الجمعة 18 ذي الحجة سنة 35 هـ ، ومن ذلك اليوم نهض عليه السلام بأعباء الخلافة ، وإصلاح الفاسد من الأمور ، وبدأ بتقسيم بيت المال بين المسلمين بالسوية ، وهذا طبعا لا يرضي الكثير من المتفرقين على حساب الفقراء ، مما أدى الى محاربة أمير المؤمنين عليه السلام .

   

 

امير المؤمنين عليه السلام بعد مبايعة الناس له

رأى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ان من اهم مهامه بعد غياب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو صيانة الشريعة المقدسة من الانحراف ورعاية شؤون الدولة الإسلامية لكي تستمر دون تلكؤ وقد بذل جهده في سبيل ذلك اثناء حكم الخلفاء ، متغاضيا – بألم ومرارة – عن حقه المغصوب . وما أن أمسك زمام الحكم حتى بدأ العمل بخطوات عظيمة في إحياء سنة رسول الله صلى الله عليه واله ، فاهتم اهتماما كبيرا بالقرآن الكريم وتفسيره وتربية الأمة واصلاح الفساد أينما وجد ، وفتح باب الحوار عن القرآن والسنة وأحكام الشريعة أمام الناس . ولم يتردد حتى في جواب مخالفيه واعدائه الحاقدين عليه ، واهتم بالقرّاء من خلال رعاية شؤونهم ومتبعا فيهم سنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم في التعاليم ، واهتم بقراءة المسلمين من غير العرب ، أو من الذين لا يحسنون اللغة العربية بصورة صحيحة فوضع علم النحو ، ودعا عليه السلام الى رواية السنة النبوية وتدوينها ومدارستها بعد ان منعت قبل ذلك .وقام بتربية مجموعة من المؤمنين للتحرك في المجتمع الإسلامي لتوجيه الناس حتى عرفوا بـ( شيعة علي ) وذلك في حياة الرسول صلى الله عليه واله وسلم امثال عمار بن ياسر وسلمان الفارسي وابي ذر وجابر بن عبد الله الانصاري والمقداد وعبد الله بن عباس وحالما تسلم الخلافة اجتمعوا حوله ، فإزداد الإمام عليه السلام اعتناءا بهم واودعهم علوما كثيرة ليقوموا بدورهم في دعم الرسالة الإسلامية ومساندة الإمامة والمحافظة على الشريعة من الانحراف والاندثار ، فكانت مواقفهم رائعة وبطولية مقابل الحكام الطواغيت المتسلطين بغير حق على أمور المسلمين ، أمثال : مالك الأشتر ، كميل بن زياد النخعي ، محمد بن ابي بكر ، حجر بن عدي ، عمرو بن الحمق الخزاعي ، صعصعة بن صوحان العبدي ، رشيد الهجري ، هاشم المرقال ، قنبر ، سهل بن حنيف وغيرهم .ولكن الإصلاحات التي ارادها أمير المؤمنين عليه السلام اصطدمت مع مصالح البعض خوفا على مراكزهم ومصالحهم وأموالهم التي ملكوها من غير حق فكانت الحروب والفتن والاضطرابات ، فحرب الجمل وحدها حصدت خمسة وعشرين الف قتيل ، منهم ستة آلاف من أصحاب الإمام عليه السلام ، واما الأيدي والأرجل التي قطعت فقد بلغ عددها أربعة عشر الفا ، ثم كانت حرب صفين فكانت حصيلة الضحايا مائة وعشرة آلاف، وبمكر معاوية وخداعه رفعت المصاحف وصار التحكيم ، لينقسم من جيش الإمام عليه السلام فرقة تسمى الخوارج حملوا السلاح ضد الإمام عليه السلام وقاتلهم حتى قتلوا بأجمعهم وكانوا أربعة آلاف لم ينجوا منهم إلا تسعة أنفس ، رجلان هربا الى خراسان الى أرض سجستان ، ورجلان صارا الى اليمن ورجلان صارا الى بلاد الجزيرة نواحي تكريت شمال العراق والباقون تفرقوا في البلاد . وبدأ معاوية بشن الغارات لبث الرعب من خلال القتل والحرق والسلب والنهب .

   

 

فقد الصحابة رضوان الله عليهم

فقد الإمام علي عليه السلام خيار الصحابة الواعين العاملين في المجتمع لبناء الأمة وفق نهج القرآن والسنة بإشرافه عليه السلام ، فبلغ الحزن في نفسه الشريفة مبلغا عظيما فكان ينادي : أين اخوتي الذين ركبوا الطريق ومضو على الحق ؟ اين عمار ؟ واين ابن التيهان ؟ واين ذو الشهادتين . ثم وضع يده على كريمته فأطاء البكاء ثم قال : أوه على اخواني الذين قرأوا القرآن فأحكموه وتدابروا الفرض فأقاموه ، أحيوا السنة وأماتوا البدعة ، ودعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فأتبعوه .أنذر الإمام عليه السلام الأمة الإسلامية بمستقبل مظلم وآلام كثيرة تحل بها ، لتخاذلها عن نصرة الحق فقال : اما انكم ستلقون بعدي ذلا شاملا ، وسيفا قاطعا ، وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة ، فيفرق جماعتكم ، ويبكي عيونكم ، ويدخل الفقر الى بيوتكم ، وتتمنون عن قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني ، فستعملون حق ما أقول لكم .

الإمام عليه السلام شهيدا في المحراب

كان الإمام عليه السلام كثيرا ما يخبر الناس بشهادته واختضاب لحيته الكريمة بدم رأسه الشريف ، بعد أن اخبره ان عمه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في آخر جمعة من شهر شعبان وذكر ما يتعلق بشهر رمضان ، ثم بكى النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال علي عليه السلام : ما يبكيك ؟ فقال : ابكي لما يستحل منك في هذا الشهر ، كأني بك وانت تصلي لربك وقد انبعث اشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود ، فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك ، قال الإمام : وذلك في سلامة من ديني ؟ فقال : في سلامة من دينك .وفي الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان سنة أربعين هجرية ، توجه الإمام عليه السلام للمسجد لأداء صلاة الصبح ، وعندما بدأ بالصلاة وخر ساجدا ، تقدم الخارجي عبد الرحمن بن ملجم وضربه على رأسه الشريف ، فوقع الإمام على وجهه قائلا : بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ، وضجت الملائكة في السماء بالدعاء وهبت ريح عاصف ونادى جبرائيل بين السماء والأرض بصوت يسمعه الجميع ( تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله نجوم الماء وأعلام التقى وانفصمت والله العروة الوثقى قتل بن عم محمد المصطفى صلى الله عليه واله وسلم قتل الوصي المجتبى قتل علي المرتضى قتل والله سيد الأوصياء ، قتله أشقى الأشقياء .

وبإستشهاده عليه السلام طويت صفحة مشرقة من تأريخ إسلامنا العظيم .