الولادة الميمونة

ولد الإمام محمد الجواد (عليه السلام) في العاشر من رجب سنة 195 للهجرة ، وهو غصن من أغصان الشجرة النبوية الطيبة ، وفرع من الدوحة الهاشمية المحمدية المباركة ، فهو تاسع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وعندما بشر أبوه الإمام الرضا (عليه السلام) بولادته قال: (قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار ، وشبيه عيسى بن مريم قدست أم ولدته ، قد خلقت طاهرة مطهرة ) ، أمه السيدة سبيكة وهي سيدة أفريقية من بلاد المغرب أو مصر ، اشتراها الإمام الرضا (عليه السلام) في مكة .

عند ولادته (عليه السلام) غمرت الفرحة قلب أبيه الرضا (عليه السلام) في تلك الليلة واتخذ الإمام الرضا (عليه السلام) التدابير اللازمة لهذا الضيف العزيز الذي له شأن عظيم ، فخصص حجة من حجرات داره ، وأمر عمته (السيدة حكيمة) أن ترافق والدته إلى تلك الحجرة استعداداً لاستقبال المولود المقدس.

عاش الإمام الجواد (عليه السلام) بصحبة والده العظيم سنوات قليلة وكانت آيات إمامته تظهر يوماً بعد يوم ، وآيات عظمته تتجلى ساعة بعد ساعة ، إلى أن فرق الدهر بينهما عندما أخرج الإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة إلى خراسان ، فكان يرسل الرسائل العديدة إلى ولده العزيز وفلذة كبده وقرة عينه وربما كتب له (فداك أبوك)!.وانقضت سنوات خمس واستشهد الإمام الرضا (عليه السلام) في بلاد الغربة وقضى نحبه مسموماً وأخبر الإمام الجواد (عليه السلام) أسرته الكريمة أن يقيموا المأتم لذلك .

وحضر الإمام الجواد (عليه السلام) عند والده قبل وفاته (وهو ابن تسع سنين) وتولى تجهيز الجثمان الطاهر ، كل ذلك بقدرة الله تعالى ومعجزة الإمامة .

لقد نص الإمام الرضا (عليه السلام) على إمامة ولده الجواد ، ونصبه خليفة من بعده ومرجعاً للمسلمين.

 

   

 

امتحان الأمة

عندما ارتحل الإمام الرضا عن هذه الدنيا احتار غالبية الشيعة فمن هو الإمام الذي سيرجعون إليه ؟ على الرغم من سماعهم تكريم الإمام الرضا(عليه السلام) لابنه الجواد ولكن الإمام الجواد (عليه السلام) ما يزال في سن دون العاشرة من عمره الشريف ، فكيف ستنصاع رجالات الأمة وأفذاذها وعلماؤها لصبي صغير ، فلم تكن مثل هذه الحالة مألوفة من قبل وهو يشبه امتحان بني إسرائيل عندما بعث الله (سبحانه وتعالى) إليهم عيسى (عليه السلام) يكلمهم في المهد ، وكما بعث إليهم يحيى وهو صبي ، وقرر العلماء والفقهاء الذهاب إلى المدينة للقاء الإمام واختباره ، وعندما وصلوا واستقر بهم المجلس ، أطل عليهم الإمام ودخل المجلس وكانت تعلوه الهيبة والوقار ، ثم نادى بعض الخدم هذا الإمام بعد أبيه والحجة الكبرى على المسلمين الجواد بن الرضا (عليهما السلام) .

ثم قام الواحد بعد الآخر يسألون الإمام أسئلة متنوعة ومختلفة والإمام يجيب عنها حتى زرع اليقين في قلوبهم وأيقنوا أنه هو الإمام الحجة بعد أبيه ، فرجعوا إلى بلدانهم يخبرون الناس بإمامة الجواد وقدراته العلمية الفائقة ، وهكذا تقاطرت الوفود والعلماء من بلدان مختلفة إلى هذا الصبي العظيم ، والشيء الملفت للنظر هو كثرة الأسئلة التي وجهت إلى الإمام (عليه السلام) في فترة حياته القصيرة ، وكان الغمام يجيب عن المئات من الأسئلة في اليوم الواحد ، وحاول المخالفون أن يسخروا من إمامنا لأنه صبي ، فجالسه كبراء علمائهم وناظروه على مختلف الأصعدة فرأوه عطاءاً علمياً لا ينضب ، لقد تجسدت في شخصية الإمام أبي جعفر الجواد (عليه السلام) جميع المثل العليا والصفات الرفيعة وتقلد الإمامة وهو في عمر مبكر.

 

   

 

عبادة الإمام الجواد (عليه السلام)

إن عبادة المعصوم تمثل التكامل والاقتراب من الله(سبحانه وتعالى) وبنفس الوقت تفيض على الناس بركة وعطاءاً.

فكان إمامنا الجواد(عليه السلام) كثير النوافل, وكثير الصيام, فهو اعبد أهل زمانه, وأشدهم خوفا من الله تعالى, وأخلصهم في طاعته وعبادته, وكان كثير الدعاء والمناجاة فمن ادعيته:( يا من لا شبيه له, ولا مثال له, أنت الله لا إله إلا أنت ولا خالق إلا أنت تنفي المخلوقين, وتبق أنت, حلمت عمن عصاك, وفي المغفرة رضاك). 

زهده (عليه السلام)

لقد كان الإمام الجواد(عليه السلام) شابا في مقتبل العمر, وكانت الأموال تصل إليه بشكل كبير, غير انه لم يكن ينفق شيئا منها في أموره الخاصة, وإنما كان ينفقها على الفقراء والمعوزين والمحرومين.

وكان سخيا, وقد لقب بالجواد لكثرة كرمه ومعروفه واحسانه الى الناس والبر بهم, فهو يواسي الناس في سرائهم وضرائهم.

وبهذه الصفات احتل القلوب والعواطف واخلص له الناس وأحبوه كأعظم  ما يكون الاخلاص والحب, لقد كان الامام الجواد من أروع صور الفضيلة والكمال في الارض, فلم ير الناس في عصره من يشابهه في علمه وتقواه وورعه, وشدة تحرجه في الدين.

اما سعة علومه ومعارفه فانها كثيرة, فهو معجزة الاسلام الكبرى, فقد روى الأحاديث عن آبائه عن جده رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم) وكذلك عن أصل التوحيد لكثرة المشككين وكثرة تعرضه للمسائل الفقهية وكشف في بعض الأحيان عن علة تشريع بعض الأحكام الشرعية وكذلك أشار (عليه السلام) الى خروج الامام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف) وبعض خصائصه, وله نصائح رفيعة هادفة الى الايمان بالله والثقة به والتوكل عليه.

 

   

 

زواج الامام الجواد(عليه السلام)

اطلع المأمون العباسي على علم الامام الجواد(عليه السلام) يوما بعد يوم وتعرف أكثر وأكثر على مناقب العالية, وبدأ الحسد يدب في قلب المأمون كما كان حقده على أبيه الرضا(عليه السلام) من قبل, فصمم ان يزوجه ابنته, كان يريد من هذا الزواج اكتساب رضا العلويين وازالة ذكرى الموت المفاجىء للامام الرضا(عليه السلام) من الذاكرة, وثانيا ليكون الامام الجواد(عليه السلام) على مقربة منه, ليتمكن من مراقبته بواسطة عيونه وجواسيسه والدرجة الأولى من قبل ابنته زوجة الامام, ولما علم العباسيون بالأمر استنكروا تزويج الامام من ابنة المأمون, خوفا من أن يجعله وليا للعهد كما فعل لأبيه (عليهما السلام).

واحتجوا عليه بان يزوج ابنته وقرة عينيه صبيا لم يتفقه في دين الله, ولم يعرف حلاله من حرامه, فطلبوا ان يهمله ليتأدب ويقرأ القرآن ويتفقه في الدين ثم يصنع ما تراه.

فأجابهم, ويحكم اني أعرف بهذا الفتى منكم, وانه لأفقه منكم, وان شأتم فامتحنوه, فوافقوا بامتحانه واجمع رأيهم على يحيى بن اكثم قاضي القضاة, وفي اليوم المعين حضر الامام الجواد(عليه السلام) وقاضي القضاة والمأمون وكبار العباسين وكبار الدولة, وجلس الناس, واجلس الامام الى جنب المأمون, ساد المجلس الهدوء والكل يتطلع الى رؤية الامام الجواد, وهو ابن تسع سنين, فقطع القاضي ذلك الهدوء ملتفتا الى المأمون قائلا:

اياذن لي امير المؤمنين بأن أوجه سؤالا الى أبي جعفر بن الرضا؟.

أجابه المأمون: عليك ان تأخذ الأذن منه.

وتوجه بالسؤال الى الامام قائلا:

اتاذن لي- جعلت فداك – في مسألة؟ فقال الامام: سل ان شئت.

قال يحيى: ماذا تقول في محرم قتل صيدا؟ أجاب الامام: قتله في حل أو حرم؟ عالما كان المحرم أم جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟

 

   

 

حرا كان عبدا؟ صغيرا كان او كبيرا؟ مبتدئا بالقتل أم معيد؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد أم من كباره؟ مصرا على ما فعل أم نادما؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النهار؟ محرما كان في العمرة اذ قتله أو بالحج كان محرما؟.

فتحير يحيى بن اكثم, وبان على وجهه العجز حتى عرف أهل المجلس ذلك, وعرف الجميع بان الامام الجواد(عليه السلام) بحر من العلم والمعرفة, فقد اعطاهم درسا في الأحكام, وهو ان لكل حكم ظرف وملابسات.

عندها سأل الامام الجواد(عليه السلام) يحيى بن اكثم سوالا لم يعرف الاجابه عليه, بعدها اقبل المأمون على حضره قائلا: ويحكم ان أهل  هذا البيت خصوا من بين الخلق بما ترون من الفضل, وان صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال اما علمتم أن رسول الله(صلى الله عليه واله وسلم) افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وهو ابن عشرة سنين, وقبِل الاسلام منه, ولم يدع أحدا في سنه  غيره؟ والتفت نحو الامام قائلا: يا بقية الرسول, لقد علمت فضلك ومنزلتك , واخترتك زوجا لابنتي ( أم الفضل) واني – رغم معارضة الكثيرين لهذا الزواج أطلب منك القبول.

شعر الإمام بالضيق ، لكنه كان يدرك حرج الموقف ، فرفض هذا الزواج يعني إهانة المأمون أمام هذا الجمع الكبير من أعيان الدولة ورجالاتها ، والله وحده يعلم النتائج ، فوافق الإمام (عليه السلام) ، واشترط صداقاً (مهراً) مساوياً لمهر جدته الطاهرة الزهراء (عليها السلام) ، وهو خمسمائة درهم ، ورضي المأمون بذلك.

أقام المأمون بهذه المناسبة احتفالاً كبيراً ، وأمر الخدم والحشم بارتداء الملابس الفاخرة ، وراحوا يستقبلون الضيوف ويوزعون عليهم الهدايا الثمينة ، ثم فرشت الموائد ووزع عليها افخر أنواع الطعام ، وأكل الناس.

ونتيجة هذه المناظرة وأمثالها والانتصار الذي حققه الإمام (عليه السلام) كانت له بركات عظيمة ، فقد رفع معنويات الشيعة في كل مكان ، ورفع رؤوسهم بهذا الشرف العظيم ، وأظهر بعض جوانب الإمام العلمية في تلك السن المبكرة .

 

   

 

بقي الإمام يكتم سخطه من هذه المصاهرة ، وأحس بمضايقة المأمون له ، وكم كان يتمنى لو بقي في المدينة ، فهو يعلم علم اليقين بأن المأمون هو قاتل أبيه (عليه السلام) ، وهو يسعى لاجتثاث أمر الإمامة من الجذور ، لأنه يرى أن فيها خطراً على سلطانه ، ولم يكن أمام الإمام إلا الصبر ، والتسليم لله سبحانه وتعالى ، عاش الإمام (عليه السلام) في بغداد مدة من الزمن بعد زواجه ، وقد حاول المأمون جره إلى المجالس التي يقيمها العباسيون ، لكنه لم ينجح ، فقد حرص الإمام تجنبها والابتعاد عنها ما وسعه ذلك ، وإذا أجبر لحضورها ، كان يستغل وجوده الشريف لإبداء النصح والموعظة الحسنة ، ومناظرة أصحاب الأفكار والعقائد المنحرفة.

انصرف الإمام (عليه السلام) في تلك الفترة إلى القيام بالإرشاد والتوجيه إلى ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.

الذهاب إلى الحج

وقبل وفاة المأمون بعام واحد تقريباً ، خرج الإمام (عليه السلام) من بغداد ، ترافقه زوجته قاصدين مكة للحج ، وليروي غليل شوقه بزيارة جده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وجدته الزهراء والأئمة المدفونين في البقيع (عليهم السلام) ، وحينما دخل المدينة توجه إلى جده (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبث شكواه وما ألم به ، ثم توجه إلى مكة وبعد أداء الحج توجه إلى المدينة .

كان المعتصم أكثر ظلماً وجوراً من أخيه المأمون ، وكان كثير اللهو ، فأصر على استقدام الإمام ثانية إلى بغداد ، توجه الإمام الجواد (عليه السلام) إلى العراق بعد أن خلف ابنه الإمام علي الهادي (عليه السلام) ، وأوصى له بالإمامة من بعده وأرشد خواص أصحابه إلى ذلك .

كان المعتصم ينتظر الفرصة للتخلص من الإمام ، يساعده في ذلك ابن أخيه جعفر بن المأمون ويعقوب بن داوود كبير فقهاء القصر ، خاصة بعد أن أخذ المعتصم بقول الإمام في مسألة فقهية وترك أقوال وآراء الفقهاء الآخرين.

 

   

 

التعامل مع الظالمين

ركز الإمام الجواد (عله السلام) على ضرورة ابتعاد المسلم عن مجاراة الظالمين والركون إليهم ، ودعا إلى رفضهم والابتعاد عنهم وشدد على عدم طاعة المنحرفين والاستماع إليهم واعتبر ذلك كالطاعة والاستماع للشيطان قائلاً :

(من أصغى إلى ناطق فقد عبده فان كان الناطق عن اله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق ينطق على لسان إبليس فقد عبد إبليس).

النشاط الاجتماعي

توجه الإمام (عليه السلام) إلى توضيح المفاهيم المتصلة بالنشاط الإسلامي للمؤمنين ، وبين طرق تحسين العلاقة بين الناس وأصول التعامل بين الأصدقاء ، كما شدد على ضرورة اختيار القرين الصالح لما يورثه من أثر على المرء ، فإذا حصل المرء على الأخ المخلص في الله فإنه فاز بشيء عظيم وينبغي له مشاورته واستنصاحه .

وحث الإمام (عليه السلام) على طلب العلم وبين فضل العلماء ، كما أنه كان يتألم لكثرة الجهلاء وابتلاء العلماء بهم وكان يعتبر سبب الاختلاف هو ما يطرحه الجهلاء نتيجة جهلهم .

 ودعا الإمام (عليه السلام) إلى التوبة وبين طريقها ، فقد روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) التوبة على أربعة دعائم ، ندم القلب ، واستغفار اللسان ، وعمل بالجوارح ، وعزم على أن لا يعود ، كما أنه أشار إلى التعجيل بها وحذر من الـتأجيل .

ومن الأمور التي اهتم بها الإمام الجواد (عليه السلام) تربية أتباعه وشيعته واهتمامه بتكاملهم الثقافي والروحي . وكان (عليه السلام) يزرع روح الأمل والصبر في قلوب المؤمنين.

 

   

 

إلى جنة المأوى

استطاع يعقوب بن داوود أن يزيد من حقد المعتصم على الإمام ، ويخوفه من اتساع نفوذ العلويين ، وذكره بسياسة أسلافه من العباسيين بحق أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فصمم المعتصم على الغدر بالإمام، وأقدم على دس السم له في الطعام بواسطة زوجة الإمام أم الفضل وضعته في عنب.

فلما أكل منه الإمام (عليه السلام) أحس بالآلام والأوجاع ، ثم ندمت أم الفضل على فعلها فأخذت تبكي فقال لها الإمام (عليه السلام) : (والله ليضربنك الله بفقر لا يندي وبلاء لا ينستر) فبليت بعلة في بدنها فأنفقت كل ما لها على مرضها فلم ينفع مالها كله ، وأما أخيها جعفر فإنه سقط في بئر عميق فاخرج ميتاً .

وانتقل الإمام إلى جنة المأوى في آخر ذو القعدة سنة 220 هجرية وعمره الشريف خمسة وعشرون سنة وبضعة شهور ، ودفن إلى جنب جده الإمام الكاظم (عليه السلام) في بغداد، وتحمل ولده من بعده أعباء الإمامة ، كانت حياة إمامنا الجواد (عليه السلام) عاشها في أداء الرسالة وتأدية الأمانة ، رغم المصاعب والشدائد المحاطة به وقد اجتمع حوله الناس ، وروى عنه الرواة أحاديث مختلفة المواضيع .

فسلام عليه يوم ولد وبوم استشهد ويوم يبعث حيا.